من أجل كنيسة سينودية: رؤية رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدس

من أجل كنيسة سينودس

قال البابا فرنسيس سنة ٢٠١٥: "مسيرة السينودس" هي المسيرة التي يريدها الله من كنيسته في الألفية الثالثة. كنيسة سينودية هي كنيسة تصغي، وهي واعية أن الإصغاء أهم من السماع. والإصغاء متبادل، إذ يحتاج كل واحد إلى أن يتعلم شيئًا ما". في ٧ أيلول ٢٠٢١، نُشِرت الوثيقة التحضيرية وكانت بدايتها :"استُدعِيَت كنيسة الله للاجتماع في سينودس". عنوان الطريق "من أجل كنيسة سينودية: شركة ومشاركة ورسالة". وسيفتتح بصورة احتفالية في ٩ و١٠ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢١ في روما، وفي في ٣٠ تشرين الأول/أكتوبر في مزار سيدة فلسطين في دير رافات. ماذا يعني هذا لنا نحن الكاثوليك في الأرض المقدسة؟

     

الوثيقة التحضيرية تشجعنا لكي "نحلم" في ما يختص بالكنيسة التي هي نحن، وكيف نريد أن نكون كنيسة. هذا لا يعني كتابة وثائق طويلة، بل البدء بعملية تجدد على كل المستويات في كنيستنا. نحن متعبون، بعد أن تعرضنا لجائحة "الكوفيد"، ومع تناقص الثقة في الكنيسة، وبسبب تزايد الصعاب حولنا في الأرض المقدسة، وفي الشرق الأوسط كله.

أن تُدعَى الكنيسة إلى سينودس يعني أن نُدعَى جميعًا معًا لننطلق على الطريق.  نحن مدعُوُّون للسير معًا جماعةً تسير بوعي جديد، تعي أن المسيح يسير معنا في وسطنا.  وكما حدث على طريق عمواس (لوقا ٢٤: ١٣-٣٣)، إنه يأتي بيننا في وقت نحن فيه متعبون، ومعارَضون، ومضطربون. جاء ليهتمَّ بنا وليصغي إلينا. ونحن واثقون أنه سيفتح لنا الكتب، وفي النهاية سيكسر لنا الخبز. وفيما نعدِّد مصائبنا تكون عيوننا مغلقة فلا نتعرَّف عليه. لكن، خطوة خطوة، ينقلنا هو من التركيز على مصائبنا (الكثيرة، والواقعية) إلى فتح عيوننا حتى نستطيع أن نراه حيًّا، ونحلَمَ بما نريد أن نصير: جماعة تختار الحياة والحياة الوافرة.

على الطريق، أربعةٌ يمكن أن نراهم: يسوع (هل نراه، وهل نسمعه؟)، والجمهور الذي يسير معًا، والرسل المرسلين لتغذيتنا، والمخاصِمين الذي جاؤوا بيننا ليزرعوا الانقسام. وفيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى تمييز وفهم ما يقوله لنا اليوم يسوع، حتى نحدِّدَ من نحن اليوم، وحتى نطوِّرَ رؤيةً للطريق. في هذا يجب أن نفهم هويتنا ( من نحن؟) ورسالتنا (إلى أي عمل نحن مدعوون؟). كنيسةٌ مجتمعةٌ في سينودس، وكنيسةٌ تسير على الطريق، هي علامة نبوية للعالم. هي أولًا علامة للأسرة الدولية، التي تبدو اليوم غير قادرة على أن تقدم مشروعًا مشتركًا تقدر الإنسانية أن تسير فيه لتحقيق الخير للجميع.

المرحلة الأولى في هذه المسيرة السينودية تبدأ في شهر تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢١ وحتى شهر نيسان/أبريل٢٠٢١. في هذه الأشهر الستة يجب أن نصغي بانتباه، (لا نسمع فقط)، ونستشير، ونتحاور، ونميِّز لنعرف. هذه الأشهر الستة هي زمن تبدأ فيه جماعاتنا بالتحرُّك، وتنطلق من جديد معًا في مسيرة للقاء يسوع. على الطريق، نصغي الواحد إلى الآخر، ونصغي إلى الروح القدس. لا نخَفْ من الإصغاء.

في هذه المسيرة ثماني نقاط محورية مهمة، هي:

 

١    نتذكر

فيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى أن نتذكّر من أين أتينا ككنيسة في هذه الأرض. مبادؤنا مهمّةٌ لنا بصورة خاصة، مبادؤنا ككنيسة في أيام العنصرة الأولى المليئة بالروح القدس (أعمال الرسل ٢)، ثم مجمع القدس الحاسم والمفعم بالروح (أعمال الرسل ١٥)، الذي فتح الجماعة لجميع الناس. وفي هذه الأيام الحديثة، اختبرت كنيسة الأرض المقدسة الروح الذي يهديها، في السينودس الأبرشي للكنائس الكاثوليكية (١٩٩٥-٢٠٠٠).

 

٢ نعيش في واقعنا

فيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى أن ننظر إلى ما حولنا وإلى واقعنا الحاضر. كنائسنا الكاثوليكية متجذِّرة تجذُّرًا عميقًا في الشرق الأوسط والعالم العربي، بكل ما فيه من نعم وتحديات. كنائس متنوعة، وطقوس متعددة (اليوناني، واللاتيني، والسرياني (الماروني والسرياني) والأرمني)، وتشمل أربعة كيانات سياسية (الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص)،  وفي وسطها جماعات وثقافات ولغات متنوعة (الناطقون باللغة العبرية، والمهاجرون).

 

٣ الاعتراف بكل فئة 

فيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى تمييز ومعرفة المواهب التي يحملها كل جزء لجسد المسيح أي الكنيسة، بما فيها الأجزاء التي لا نعرفها إلا قليلًا. فنحن مدعوون بصورة خاصة إلى الإصغاء إلى الشبيبة، وإلى النساء، والمهاجرين، واللاجئين، والفقراء. نصغي فنفهم بصورة أكمل كيف يجب أن نجد مواهب الله في كل جزء من أجل خير الكنيسة بكاملها. ويجب ألا ننسى أن الكنيسة تشمل أيضًا كل الذين لا يأتون إليها على الإطلاق، لا يأتون إلى كنائسنا واحتفالاتنا: كيف نأتي بهم إلى هذه المسيرة وكيف نستفيد من مواهبهم؟

٤ البحث عن المواهب

فيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى أن نفكر كيف تسهِّلُ هذه المواهب علينا القيام بالمسؤوليات التي كلَّفنا بها يسوع المسيح لنكرز بالإنجيل. هذا يقتضي أولًا وقبل كل شيء أن نصغي إلى كل قسم في الكنيسة، ولا نتجاهل أيًّا منها في المخطط الإستراتيجي، الموضوع للقيام بمسؤوليتنا، أي أن نكون كنيسة تشهد للمسيح القائم من بين الأموات. هذه الخطة الإستراتيجية بدايتها في الكتب المقدسة التي نفهمها وفقا للتقليد، والتقليد المبيَّن اليوم في تعليم الكنيسة.

 

٥ فحض ضمير

فيما نسير على الطريق نحن مدعوون إلى فحص ضميرنا من دون خوف لنعترف بخطايانا بشجاعة، ولنسعى في توبة وعودة مستمرة إلى المسيح. هذا مهم، بصورة خاصة، حيث يجب علينا أن نفحص كيف تتشابك المسؤولية والسلطة في الكنيسة، حتى نتمكن من التخلُّص من كل نوع من التسلُّط الإكليريكي، أو استغلال السلطة، أو الجدليات الدفاعية، أو الفساد في كل أشكاله، أو التحريفات الدنيوية، أو الطائفية التي تحصرنا في مجموعات مغلقة بإحكام، تمنعنا من أن نصير كنيسة. 

 

٦ انفتاح على المجتمع

فيما نسير على الطريق، نحن مدعوون إلى التعاون مع الغير لبناء مجتمع أفضل. حُلمُنا ليس فقط أن نكون كنيسة هي حقًّا جسد المسيح. لسنا مغلقين بختم عن العالم الأوسع، بل نحن مدعوون إلى أن نكون فيه خميرة.  نحن جزء من المجتمع الأكبر حولنا، فنريد أن نسهم في بنائه ونعمل من أجل الصالح العام.

 

٧ ولادة جديدة

فيما نسير على الطريق نحن مدعوون إلى بناء علاقات إيجابية تمنح الحياة ونتخطى الحدود التي تفصل بيننا.  الطريق الذي نسير فيه سيؤدي بنا إلى لقاءات مع جميع الذين نشارك معهم هذا العالم.  جاء المسيح ليهدم جدران الفصل العديدة. يجب الوصول إلى إخوتنا وأخواتنا غير الكاثوليك، وإلى اليهود والمسلمين، والدروز والبهائيين والسامريين وكل الناس ذوي الإرادة الصالحة.  يمكن أن ندخل في حُلم مشترك لترميم عالمنا المحطَّم.

٨ رؤية للمستقبل

فيما نسير على الطريق نحن مدعوون إلى أن نطوِّر رؤية للمستقبل. أية كنيسة نريد أن نكون؟ أي مجتمع نريد أن نعيش فيه؟ أي عالم نريد أن نتركه لأبنائنا؟ لنحلم معا.

 

من هذه العملية تبرز وجهتا نظر اثنتان:

  • رؤية كنيستنا من الداخل، وكيف تستوعب في ذاتها كلَّ مَن يكوِّنُها. هذه رؤية للكنيسة من الداخل، الكنيسة التي نريد ان تكون، وهي نحن. 

  • رؤية للكنيسة من الخارج، وكيف تشارك مع الغير، للتقدم بالخير العام في مجتمعنا وفي العالم. هذا يقدم رؤية للكنيسة من الخارج، الكنيسة التي تبني الملكوت مع الغير، وتهيئ لمجيء المسيح بيننا من جديد.

  يجب أن نتذكر أن الأشهر الستة، من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢١ حتى نيسان/أبريل ٢٠٢٢ هي خطوة أولى في مسيرة السينودس. هذه الخطوات الأولى على المستوى المحلي، تشمل الرعايا والمدارس، والمؤسسات المسيحية والرهبان والراهبات، ثم ستتَوَسَّع المسيرة لتشمل الأبرشيات كلها، والمنطقة كلها، والعالم. الوثيقة التحضيرية تقول: "الملخَّص الجامع لكل ما تعمل كلُّ كنيسة في نهاية هذه العملية، في الإصغاء والتمييز، سوف يكون مساهمة في مسيرة الكنيسة الجامعة. لجعل المراحل التالية للمسيرة أسهل وأكثر استقرارًا، من المهم أن نعبِّر عن ثمار صلاتنا وتفكيرنا، في ما لا يزيد على عشر صفحات (...). ونذكِّر أن غاية السينودس (...) ليس إنتاج وثائق، بل " غرس أحلام، وتقديم نبؤات ورؤى، والسماح بالرجاء لأن يزدهر، وبعث الثقة، والتعلُّم الواحد من الآخر، وخَلقُ موارد مشرقة تنير الأذهان، وتبعث دِفءًا في القلوب، وتمنح القوة لأيدينا" ( فقرة ٣٢)